الاتفاقية الأمنية بين العراق وأمريكا ..مخاوف مشروعة ومفارقات لا تقبل الجدل
طالب الوحيلي
شاءت الظروف الدولية ان تقع الحالة العراقية منذ أواسط عام 1990 ـ اي منذ تورط النظام السابق في الكويت ـ تحت اطر التدويل ،وان تتجسد مضامين الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة كأوضح سابقة دولية منذ انبثاق هذا الميثاق ولحد الان ،ومعروفة هي الملابسات التي أودت بنا الى هذا الوضع حيث خرق النظام السابق قواعد السلم الدولي وأمنه باحتلاله دولة عضو في الاسرة الدولية وتلويحه بتوسيع أنشطته وأهدافه في المنطقة على حساب دول الجوار بعد ان تناسى العالم هفوته في إشعال حرب ضروس مع إيران احرق فيها الأخضر واليابس ،وقد استنفذت الأمم المتحدة كافة الطرق السلمية لإصلاح الوضع وإعادة النصاب الى طبيعته مما اوجد حالة من شبه الإجماع الدولي على تفويض مجلس الأمن باللجوء الى مواد الفصل السابع من هذا الميثاق ،وهكذا بدأت معاناة جديدة للشعب العراقي مع كل قرار يصدره مجلس الامن الدولي حتى ولو كان في ظاهره مصلحة للمواطن كالقرارات التي صدرت تحت عنوان النفط مقابل الغذاء والدواء ،لأنها كانت في حقيقتها مصدرا لتجويع الشعب وإذلاله ووسيلة لتسريب الأموال التي خصصت لهذا البرنامج لتقع في خزائن وجيوب النظام وطفيلياته ،وبسبب سياسته الخرقاء وإعلامه البليد تحول صدام ونظامه الى بعبع يهدد المعمورة والحضارة الإنسانية بعد ان كان له في كل مشكلة دولية ادعاء او مساهمة ،فيما دولت قضية الشعب العراقي هي الأخرى بعد ان بطش ذلك النظام به بصورة لم تألفها أبشع الأنظمة الديكتاتورية او الفاشية قسوة ،ناهيك عن الجرائم البيئية التي ارتكبها ،ولعل المقابر الجماعية التي اكتشفت بعد سقوط النظام كانت اهم مبرر لتحرك القوات الدولية لتحرير العراق من نير ذلك الطاغية ،لتستمر فيما بعد وتيرة صدور القرارات الاممية المتعلقة بالعراق التي وضعته تحت الاحتلال والتي أعادت له السيادة او التي أسست للنظام الديمقراطي الجديد او التي نظمت تواجد القوات الدولية او تحسين عنوانها الى القوات المتعددة الجنسيات لتكلف بتوفير الأمن الداخلي والخارجي للبلاد بعد ان حلت قواتها المسلحة و هيكلة قواتها الأمنية ،حيث صار لابد لها ان تعيد تشكيلها من الصفر ،وكان بقاء مهمة القوات المتعددة الجنسيات رهن بإتمام تشكيل قوات الأمن العراقية وتأهيلها لكي تكون قادرة على فرض الامن والقانون ،لتبدأ في غضون ذلك اكبر معضلة شهدها العراق الحديث تمثلت بالحرب الطائفية التي اقتربت كثيرا من معنى الحرب الأهلية ،وهي لا تخرج عن تكتيك دولي لتوزيع الرعب او تطبيق لنظرية الفوضى الخلاّقة ،ويا لها من فوضى فقد أفرغت المشروع الوطني من اجمل محتوياته ،ولتؤدي فيما بعد الى إحداث تخلخل كبير في اهم المعادلات المطروحة على الساحة منذ مراحل سابقة لعام 2003 ،وكل ذلك بلا شك يقع ضمن فصول أجندة معدة بكل احتمالاتها وتفرعاتها ،ولم تكن ناتجة عن أخطاء تكتيكية ،لان القوى التي قادت التحالف الدولي لا يمكن ان تكون أسيرة الافتراضات العفوية او أحاديث العرافات الذي تميل اليه بعض القوى التي تشارك في التجربة العراقية بكل أسى وأسف ..
لقد تنازعت التجربة العراقية إشكاليات كثيرة وضعت الصورة النهائية لها في عتمة يصعب انجلاؤها لعل اهم أسبابها القراءة المرتجلة للواقع ،وجمود البعض على تصورات من ملفات المعارضة العراقية السابقة ،مما جعلها تقيس الأمور على وفق نظرتها تلك دون ان تعبأ بحجم القواعد الجماهيرية واهتماماتها الحقيقية ومستويات تقبلها او رفضها لكل ما تحقق من معطيات مادية او قانونية او سياسية ،لذا تجد للقوى المناوئة اكثر من ثغرة تستطيع ان تمر منها لجوهر العملية السياسية مما يتيح لها بث سمومها وأدواتها في قلب أصول اللعبة وتحويل مساراتها وتفتيت القواعد الجماهيرية التي أدت أدوارا كبيرة في صنع الأنموذج العراقي الجديد من خلال الانتخابات والاستفتاء على الدستور الدائم والإسناد الشعبي لكل قرار فيه شفافية ووضوح ويرتقي الى ثوابتها العقائدية ،ولعل صبرها على
























